سيد محمد طنطاوي
220
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
في رأى أي ناظر ، وفي عقل أي عاقل ، فالأول في حيرة من أمره ، والثاني على بينة من شأنه . وساق - سبحانه - هذا المعنى في صورة الاستفهام ، للإشعار بأن ذلك من الجلاء والوضوح بحيث لا يخفى على كل ذي عقل سليم . وانتصب لفظ « مثلا » على التمييز المحول عن الفاعل ، لأن الأصل هل يستوي مثلهما وحالهما ؟ . وجملة * ( الْحَمْدُ لِلَّه ) * تقرير وتأكيد لما قبلها من نفى الاستواء واستبعاده ، وتصريح بأن ما عليه المؤمنون من إخلاص في العبودية للَّه - تعالى - يستحق منهم كل شكر وثناء على اللَّه - عز وجل - حيث وفقهم لذلك . وقوله - تعالى - : * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور ، إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون هذه الحقيقة مع ظهورها ووضوحها لكل ذي عينين يبصرهما ، وعقل يعقل به . ثم أخبر - سبحانه - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم بأن الموت سينزل به كما سينزل بأعدائه الذين يتربصون به ريب المنون ، ولكن في الوقت الذي يشاؤه اللَّه - تعالى - فقال - : * ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) * . أي : إنك - أيها الرسول الكريم - سيلحقك الموت ، كما أنه سيلحق هؤلاء المشركين لا محالة ، وما دام الأمر كذلك فأي موجب لتعجل الموت الذي يعم الخلق جميعا . وجاء الحديث عن حلول الموت به صلَّى اللَّه عليه وسلم وبأعدائه ، بأسلوب التأكيد ، للإيذان بأنه لا معنى لاستبطائهم لموته صلَّى اللَّه عليه وسلم ولا للشماتة به صلَّى اللَّه عليه وسلم إذا ما نزل به الموت ، إذ لا يشمت الفاني في الفاني مثله . ثم بين - سبحانه - ما يكون بينه وبينهم يوم القيامة فقال * ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) * . أي : ثم إنكم جميعا يوم القيامة عند ربكم وخالقكم تختصمون وتحتكمون ، فتقيم عليهم - أيها الرسول الكريم - الحجة ، بأنك قد بلغت الرسالة ، وهم يعتذرون بالأباطيل والتعليلات الكاذبة ، والأقوال الفاسدة ، وسينتقم ربك من الظالم للمظلوم ، ومن المبطل للمحق . هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث والآثار فقال